الصفحة الرئيسية | فهرس الندوة | مكتبة الصور | مكتبة الفيديو | المركز العلمي للزكاة | إتصل بنا

 


الفضل الخامس

في حكم الزكاة في سائمة الخيل وغيرها من الحيوانات

 

    إن من نعم الله علي عباده أن سخر لهم الحيوانات للانتفاع في شؤون حياتهم، وقد آتي الله الإنسان من طاقة العقل وملكة التفكير ما تمكنيه من استغلال ما

 وأكبر منه حجما وأقوي منه جسما وأكثر منه جرأة وإقداما من هذه الحيوانات ،وذلك من معالم استخلاف الله سبحانه للإنسان في هذه الأرض كما ذكرنا من قبل.

    والخيل من بين هذه النعم فهي معقود بنواصيها الخير إلي يوم القامة كما في الحديث الصحيح، لأنها عز ومنعة وزينة لصاحبها ورهبة في قلب خصمه قال تعالي:{ ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم(1) ولكن هل ذلك يقتضي إيجاب الزكاة فيها وفيما شابهها من الحيوانات المسخرة للإنسان هذا ما نتعرض له إن شاء الله في هذا الفصل.

وفي ذلك مباحث:

المبحث الأول:-

في آراء العلماء في زكاة الخيل:-

    لا يماري أحد في أن الخيل وما شابهها ليست من بهيمة الأنعام، لأن الله تعالي فصلها عنها حيث قال: { والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون}- إلي أن قال:- إلي أن قل:{ والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة)(2) لذلك ذهب جمهور أهل العلم من لدن الصحابة- رضوان الله عليهم- إلي عدم وجوب الزكاة فيها وحكي ذلك ابن المنذر عن علي بن أبي طالب وابن عمر والشعبي والنخعي وعطاء والحسن البصري وعمري وعمر بن عبد العزيز والحاكم والثوري وأبي يوسف ومحمد بن الحسن وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأبي خيثمة وأبي بكر بن شيبة وحكماه غير عن بن الخطاب والأوزاعي ومالك والليث وداود(3) هذا إن لم تكن للتجارة وعليه عول علماء معظم المذاهب الإسلامية- ومنهم علماء مذهبنا- وتناقلته أسفارهم جيلا بعد جيل، ولا أري داعيا إلي الإحالة إلي شيء منها فإن شهرة ذلك طبقت الآفاق.

    وذهب حماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة إلي وجوب الزكاة فيها إن كانت ذكورا وإناثا أما إذا كانت إناثا محضا فقد ذكر السرخسي في المبسوط روايتين فيها عن أبي حنيفة(4)، وذكر في بدائع الصنائع روايتين عنه أيضا إن كانت ذكورا محضا(5) والمشهور عنه أنه لا زكاة في الذكور وحدها إلا في رواية شاذة محكية عن كتاب الآثار(6).

    واختلف أصحابه في ذلك فمنهم من أخذ بمذهبه فأوجب فيها الزكاة ومذهب صاحبيه فأسقطها فيها كما هو مذهب الجمهور وممن نص علي وجوب الزكاة فيها الكاساني قال:

    "وأما حكم الخيل فجملة الكلام فيه أن الخيل لا تخلو إما أن تكون علوفة أو سائمة فإن كانت علوفة بأن كانت تعلف للركوب أو الحمل أو الجهاد في سبيل الله فلا زكاة فيها، لأنها مشغولة بالحاجة ومال الزكاة هو المال النامي الفاضل عن الحاجة لما بينا فيما تقدم، وإن كانت تعلف للتجارة ففيها الزكاة بالإجماع، لكونها مالا ناميا فاضلا عن الحاجة، لأن الإعداد للتجارة دليل النماء والفضل عن الحاجة، وإن كانت سائمة فإن كانت تسام للركوب والعمل أو للجهاد والغزو فلا زكاة فيها لما بينا وإن كانت تسام للتجارة ففيها الزكاة بلا خلاف، وإن كانت تسام للدر والنسل فإن كانت مختلطة ذكورا وإناثا فقد قال أبو حنيفة تجب الزكاة فيها قولا واحدا وصاحبها بالخيار إن شاء أدي من كل فرس دينارا وإن شاء قومها وأدي من كل مائتي درهم خمسة دراهم"(7).

    وإليه ذهب السر خسي في المبسوط (8) والموصلي في مختارة واختياره (9) وانتصر له العيني في عمدة القارئ(10) وعليه صاحب البداية وشارحها في النهاية والمحشي ابن الهمام في شرح فتح القدير(11) وقواه ابن عابدين في حاشيته(12) وأيده العلامة المحدث ظفر أحمد العثماني في إعلان السنن(13) ورجحه الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه فقه الزكاة(14).

    وذهب صاحب كنز الدقائق إلي عدم وجوب شيء فيها ترجيحا لمذهب الصاحبين، وأقره شارحه ابن نجيهم في البحر الرائق، وحكي عن الخانية أن الفتوى علي قولهما(15)، واعتمده صاحب  تنوير الأبصار وشارحه في الدر المختار ونسب أيضا إلي الخانيه أن عليه الفتوى، وقال ابن عابدين في حاشيته: قال الطحاوي هذا أحب القولين إلينا ورجحه القاضي أبو زيد في الأسرار وفي الينابيع: وعليه الفتوى، وفي الجواهر: والفتوى علي قولهما، وفي الكافي: هة المختار للفتوى، وتبعه الزيلعي والبزاز تبعا للخلاصة وفي الخانية: قالوا الفتوى علي قولهما تصحيح العلامة قاسم قلت- والقائل ابن عابدين: وبه جزم الكنز(16) 

المبحث الثاني:-

في أدلة القولين:-

أ- أدلة الجمهور :-

    استدل الجمهور القائلون بعدم الزكاة في الخيل بالعديد من الأدلة:

1- ما تقدم ذكر من رواية الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس النبي صلي الله علية وسلم قال:" ليس في الجارة ولا في الكسعة ولا النخة ولا في الجبهة صدقة" قال الربيع الجارة الإبل التي تجر بالزمام وتذهب وترجع بقوت أهل البيت، والكسعة الحمير،والنخة الرقيق، والجبهة الخيل، قال الربيع قال أبو عبيدة : ليس في شيء من هذا صدقة ما لم تكن للتجارة.

2- أخرج الربيع أيضا من طريق قال- قال رسول الله صلي الله عليه وسلم:"ليس علي الرجل في عبده ولا في فرسه صدقة" وأخرجه الشيخان وأصحاب السنن بلفظ "ليس علي المؤمن في عبده ولا فرسه صدقه"، ومثله عند الإمامين مالك وأحمد ورواه ابن حبان في صحيحة وزاد فيه" إلا صدقة الفطر" أي في العبد، وهي عند مسلم أيضا ورواه الدار قطني بلفظ "لا صدقة علي الرجل في فرسه ولا في عبده إلا زكاة الفطر"

3-أخرجأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي عوانة عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي بن أبي طالب- كرم الله وجهه-قال:قال رسول الله صلي الله عليه وسلم :قد عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق فهاتوا صدقة الرقة"

   قال أبو داود: وروي هذا الحديث الأعمش عن أبي إسحاق كما رواه أبو عوانة ورواه أبو معاوية وإبراهيم بن طهمان عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي عن النبي عليه السلام، وقال الترمذي سألت محمدا- يعني البخاري- عن هذا الحديث فقال: كلاهما عندي صحيح عن أبي إسحاق يحتمل أن يكون روي عنهما جمعيا(17)

    وقال فيه الحافظ ابن حجز: إسناده حسن(18)

4- أن الخيل تختلف عن بهيمة الأنغام لأن الأنغام تقتني لمنافعها الجمة التي يشترك في الحاجة إليها الأغنياء والفقراء ومنافعها تدور بين الضروريات والحاجيات كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله بينما منافع الخيل لا تعدو أن تكون من باب التحسينيات إلا إن استعملت للجهاد والحرب واستعمالها لهذا الغرض يقتضي التخفيف عن أهلها تشجيعها لهم علي إعداد العدة لمقاومة أعداء الأمة والملة ورفع راية الحق وقطع شوكة الباطل واعترض القائلون بوجوب الزكاة فيها علي بعض هذه الأدلة فقالوا في حديث أبي هريرة بأنه في فرس الرجل لغزوه ولذلك أضيف إلي ضميره وهذا ما لا خلاف فيه أنه لا تجب فيه الزكاة كما لا تجب علي الرجل الزكاة في عبيد خدمته مع أنه عليه زكاتهم إن كانوا للتجارة، وهكذا الخيل ففيها الزكاة إن كانت للتجارة أو للنسل(19)

    وعضدوا هذا التأويل بما في كتاب الأسرار للدبوسي أن زيد بن ثابت لما بلغه حديث أبي هريرة قال صدق رسول الله صلي الله عليه وسلم- إنما أراد فرس الغازي. قال الدبوسي: ومثل هذا لا يعرف بالرأي فيثبت أنه مرفوع ولكن الزيلعي قال فيه غريب(20) ، وشدوا علي تأويلهم هذا بما رواه أحمد بن زنجويه في كتاب الأموال من طريق ابن طاوس عن أبيه قال: سألت ابن عباس عن الخيل أفيها صدقة؟قال: ليس في فرس الغازي في سبيل الله صدقة.

    وأما حديث العفو عن صدقة الخيل والرقيق فقد حملوه علي أن ذلك كان أمرا مرا مبنيا علي الرفق والنظر في المصالح، وليس هو من باب التشريع المطلق ويدور احتجاجهم في ذلك علي ما حرره ابن الهمام بقوله: العفو لا يكون إلا في شيء لازم فممنوع بل يصدق أيضا مع ترك الأخذ من الابتداء تفضلا مع القدرة عليه فمن قد علي الأخذ من أحد وكان محقا في الأخذ غير ملوم فيه فتركه مع ذلك تكرما ورفقا به صدق معه ذلك- ثم قال- ويقدم ما في الصحيحين للقوة(21)

    وأيدوا ذلك بالآثار المروية عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أخذ الزكاة من الخيل وستأتي إن شاء الله.

ب- أدلة القائلين بوجوب الزكاة في الخيل:-

    استدل القائلون بأ، الخيل تجب فيها الزكاة كما تجب في الأنعام بالعديد من الأدلة:

1- استدلوا من الكتاب بقوله تعالي}خذ من أموالهم صدقة}(22)، قال الموصلي: وهذا من جملة الأموال(23)

2- استدلوا من السنة بالحديث المتفق عليه"الخيل لثلاثة: لرجل أجر ستر وعلي رجل وزر- إلي أن قال : ورجل ربطها تغنيا وتعففا ثم لم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها فهي لذلك ستر" والحديث مروي في صحيح مسلم في سياق وعيد مانع الزكاة فهو دليل علي أن حق الله في رقابها إنما هو حق الزكاة.

3- واستدلوا بالآثار المروية عن الصحابة في إيجاب زكاة الخيل ومن ذلك ما أخرجه الدار قطني عن الزهري أن السائب ابن يزيد أخبره قال: رأيت أبي يقيم الخيل ثم يدفع صدقتها إلي عمر، وأخرج عبد الرزاق من طريق يعلي بن أمية يقول: ابتاع عبد الرحمن بن أمية أخو يعلي بن أمية من رجل من أهل اليمن فرسا أنثي بمائة قلوص فندم البائع فلحق بعمر فقال غصبني يعلي وأخوه فرسا لي فكتب إلي يعلي أن الحق بي فأتاه فأخبره الخير فقال: إن الخيل تبلغ هذا عندكم؟ ما علمت أن فرسا يبلغ هذا فنأخذ عن كل أربعين شاة ولا نأخذ من الخيل شيئا. خذ من كل فرس دينارا فقرر علي الخيل دينارا دينارا، وروي أيضا عن ابن جريح أخبرني ابن أبي حسين أن ابن شهاب أخبره أن عثمان كان يصق الخيل وأن السائب بن يزيد أخبره أنه كان يأتي عمر بن الخطاب بصدقة الخيل.

    وأجيب عن الآية بأنها ليس فيها أن في كل صنف من أصناف الأموال صدقة وإنما فيها "خذ من أموالهم" ولو لم يرد إلا هذا النص وحده لأجزأ فلس واحد عن جميع أموال المسلم لأنه صدقة أخذت من أمواله ثم لو كان في الآية أن في كل صنف من أصناف الأموال صدقة- وليس ذلك فيها لا بنص ولا دليل - لما كانت لهم فيها حجة لأنه ليس فيها مقدار المال المأخوذ ولا مقدار المال المأخوذ منه ولا متى تؤخذ تلك الصدقة ومثل هذا لا يجوز العمل فيه بقول أحد دون رسول الله صلي الله عليه وسلم ، قال تعالي{ لتبين للناس ما نُزِلَ إليهم}(24) (25)

    وأجيب عن الحديث بأنه ليس فيه إلا أن لله حقا في رقابها وظهورها غير معين ولا مبين المقدار، ولا مدخل للزكاة في ظهور الخيل بإجماع منا ومنهم فصح أن هذا الحق إنما هو علي ظاهر الحديث ، وهو حمل علي ما طابت نفسه منها في سبيل الله تعالي وعارية ظهورها للمضطر(26) وأجاب الحنفية عن هذا بأن ما ذكر ندب ولا يسمي المندوب حقا(27) وأن غير الزكاة من الحقوق لا تختلف فيه الحمير والخيل

    ومن العجيب استدلال الحنفية علي وجوب الزكاة في الخيل بما أخرجه ابن أبي شيبة عن عمر -رضي الله عنه- في حديث طويل جاء فيه "فلا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة بحمل شاة لها ثغاء، ينادي يا محمد يا محمد، فأقول لا أملك لك من الله شيئا، قد بلغت ولا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل فرسا له حمحمة- ينادي يا محمد يا محمد، فأقول لا أملك لك من الله شيئا قد  بلغت... الحديث"(28) وروي أنه ذكر أيضا" بعيرا له رغاء فدل وجوب الزكاة في هذه الأنواع"(29) لأن الأقرب إلي الفهم أن الحديث إنما هو في الغلول، فإن القرآن ناص أن من غل يأتي بما غله قال تعالي{ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة}(30) فلا دلالة فيه علي ما ذهبوا إليه ، أما قول الشيخ العثماني: وليس الذم غل الفرس ولم يجاهد عليه: لأن الغلول لا يختص بهذه الأنواع وترك الجهاد بنفسه يذم عليه أكثر مما يذم علي تركه بفرسه (31)، فهو كلام لا يخلو من غرابة فإن التحذير من الغلول لا يستلزم ذكر كل ما يغل، وأيضا فإن الزكاة تجب في غير ما ذكر فلم لم يتعرض الحديث لجميع أصنافها؟

    واستدل الحنفية أيضا بأن الخيل مال نام، فتجب فيه الزكاة قياسا علي الإبل ولا يعتد بما يقال من فرق بين الخيل وغيرها من بهيمة الأنغام ولكل حيوان مزايا نفضله علي غيره، وبين الإبل والغنم فروق كثيرة ومع هذا في كليها الزكاة، وهم بذلك يرون أن علة إيجاب الزكاة في المال معقولة وليست تعبدية وهي النماء، فإذا تحققت العلة وجب تعدية الحكم إلي ما وجدت فيه حتى لا يفرق بين متماثلين(32)

    هذا وقد استدل الدكتور يوسف القرضاوي في ترجيحه لمذهب أبي حنيفة بأن حديث علي " قد عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق" قال الدار قطني: الصواب وقفه علي علي والدار قطني خبير بعلل الحديث يعتد برأيه برأيه علي أن قوله" قد عفوت لكم" قد يدل علي أن الأصل وجوبها ثم تجاوز عنه لسبب من الأسباب، ربما لأن الحاجة إليها كانت ماسة في ذلك العصر للجهاد والرباط وكانت هي أعظم عدة له ، وربما لأنها لم تكن ثروة منتشرة في بلاد العرب ثم قال: وعلي كل حال فإن السكوت عن إيجاب الزكاة فيها بلفظ صريح لا يدل علي عدم الوجوب جزما فقد أوجب النبي الزكاة في نقود الفضة بالنص الصريح ولم يفصح عنه في الذهب مثل ذلك لأن معظم نقودهم كانت فضة فإذا عرف عرف حكمها، عرف حكم الذهب بالقياس عليها(33)

    هذا وقد عول الدكتور القرضاوي علي قصة عمر رضي الله عنه مع يعلي بن أمية في اعتبار أن للقياس دخلا في أمور الزكاة وإمضاء حكمها في أصناف من المال لم يكن الني صلي الله عليه وسلم يأخذها منها للشبه بينها وبين ما كان يأخذ منه ورأي أن عدم أخذه صلي الله عليه وسلم الزكاة منها لم يكن أمرا تشريعيا راجعا إلي منصب الرسالة، وإنما كان إجراء سياسيا عائدا إلي منصب الإمامة لقصد مصلحة جزئية حينئذ كالتشجيع علي اقتناء الخيل وركوبها للجهاد واستدل لذلك بلفظ "قد غفوت لكم "، فلو لم تكن من الأموال التي تصلح متعلقا للزكاة في الجملة ما قال" قد عفوت لكم عنها" لأن العفو والتجاوز إنما يستحق أن يكون فيما  يطلب، فقيه إيماء إلي أن الأمر مفوض إليه، كما قال بعض العلماء، وكذلك أئمة العدل من بعده لهم أن ينظروا في مثل زكاة الخيل علي ما تقتضيه المصلحة العامة إيجابا أو عفوا فإذا كانت في بعض البلاد تتخذ للنماء والكسب وتدور ثروة علي أصحابها ربما كانت أعظم وأهم من ثروة الإبل فمن حقه بل من واجبه أن يأخذ زكاتها حتى لا يفرق بين الأغنياء فيأخذ من بعضهم ويدع بعضهم بلا مسوغ للتفرقة وهذا هو التفسير المقبول لأخذ عمر الزكاة منها إن صح أن النبي صلي الله عليه وسلم عفا عنها(34)

الرأي المختار عند الباحث:-

    بعد هذه الجولة بين معالم هذه الأدلة ومنعطفات استدللت الفريقين ومناقشاتهم يبدو لي أن قول الجمهور أصح وأقوي سواء من ناحية النص أو من ناحية النظر

    أما من ناحية النصوص فإن أدلة المانعين لوجوب الزكاة فيها لا غبار عليها من حيث الثبوت ولا من حيث الدلالة، فحديث " ليس علي المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة " متفق علي صحته وهو واضح الدلالة في أن الصدقة ساقطة عن كلا الجنسين جنس الأرقاء وجنس الخيل فإن التعريف بالإضافة يفيد العموم كما يفيد التعريف بآله التعريف، ولذلك قال ابن رشيد: أراد بذلك الجنس في الفرس والعبد لا الفرد الواحد إذ لا خلاف في ذلك في العبد المتصرف والفرس المعد للركوب ولا خلاف أيضا أنها لا تؤخذ منها بالقيمة(35)

    وقال الباجي: قوله صلي الله عليه وسلم " ليس المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة" يقتضي نفي كل صدقة في هذا الجنس إلا ما دل الدليل عليه ولا خلاف أنه ليس في رقاب العبيد صدقة- إلي أن قال- والنفي علي الإطلاق يقتضي الاستغراق(36)

    أما ما قبل من أن هذا الحكم إنما هو خاص بفرس الركوب والغزو فهو تخصيص بغير مخصص، ولو كان كذلك لزم أيضا أن تجب الزكاة في الأرقاء الزائدين عما تتطلبه الحاجة وتستلزمه الخدمة المألوفة ولا قائل بذلك ، فكيف يفرق بين متماثلين؟ مع أن دليلها واحد، وقد جمع بينهها في الحكم والاستدلال لهذا التأويل بما رواه أبو زيد ألدبوسي أن زيد بن ثابت رضي اله عنه قاله فهو غير مسلم لأمرين:-

أولهما: أن أبا زيد روي ذلك عن زيد بدون إسناد وما كان كذلك فلا حجة فيه ولو كان مرفوعا فكيف بالموقوف؟!

ثانيهما: أن ذلك رأي صحابي خالفه فيه غيره من الصحابة فلا تنهض به حجة إذ ليس هذا أولي بأن يؤخذ برأيه من ذلك وإنما رأيهم حجة فيما أجمعوا عليه لا فيما اختلفوا فيه، ولا يستدل بقول بعضهم علي بعض وناهيك بمخالفة أبي هريرة- رضي الله عنه - له وهو راوي الحديث ومن المعلوم أن راوي الحديث أولي بمعرفة دلالته من غيره لأن تلقاه عن النبي-صلي الله عليه وسلم- وعرف ملابسات تحدث النبي صلي الله عليه وسلم به وأدرك من القرائن التي تمكنه من تشخيص معناه ما لم يدركه غيره

    والصحابة - رضوان الله عليه- وإن تفاوتت مراتبهم في الفقه إلا أن ثم قدرا مشتركا بينهم جميعا فيه فلذلك أهل اجتهاد جميعا.

    فلا يرد مذهب راوي الرواية منهم لأجل مذهب غيره بدعوي أنه أفقه منه كيف وهو قد استند في مذهبه علي ما يرويه؟

    ولئن كان الحنفية يرون تخصيص عموم الحديث بمذهب راويه من الصحابة ولو لم يكن له مخصص بل ربما عدلوا عن روايته إلي رأيه كما فعلوا في حديث أبي هريرة ولغ الكلب في الإناء فإنهم أولي بأن يستمسكوا برأيه المتفق مع روايته.

    أما ما رواه ابن زنجوبه عن ابن عباس - رضي الله عنهما- "ليس في فرس الغازي في سبيل الله صدقة" (37) فليست فيه دلاله علي ذلك لوجوه:

    أولها: أنه موقوف كما قلنا ليس بحجة إن وجد له مخالف من الصحابة فكيف إن خالف المرفوع.

    ثانيهما: أن دلالته علي وجوب الزكاة في غير فرس الغازي إنما هي بمفهوم المخالفة والمفهوم لا يعارض المنطوق لأنه أقوي منه حجة هذا إن تساويا متنا فكيف إذا كان المنطوق حديثا ثابتا عن النبي- صلي الله عليه وسلم- وكان المفهوم موقوفا علي أحد الصحابة مع عدم جواز معارضة المرفوع بالموقوف، والحنفية المحتجون بهذا المفهوم هنا من أصولهم أن مفهوم المخالفة ليس حجة أصلا ولو كان مفهوم آية من كتاب الله أو حديث ثابت عن رسول الله - صلي الله عليه وسلم- فكيف يحتجون بمفهوم قول صحابي عارضه منطوق من السنة الثابتة؟

    ثالثهما: أن الموجبين للزكاة في الخيل لا يلتزم العمل بهذا المفهوم فإنهم لا يوجبون الزكاة في الفرس المخصص لركوب الإنسان في قضاء سائر حوائجه التي لا تدخل في الغزو كطلب العلم وصلة ذوي القربى وزيارة الأصدقاء وعيادة المرضي وتفقد المصالح وغير ذلك فكيف يلتزم العمل بدلالة المفهوم في أمر دون نظيره مع كونهما تتناولهما تلك الدلالة تناولا واحدا.

    وأما ما اعترض به علي حديث "عفوت لكم عن زكاة الخيل...الخ" من أنه كان إجراء سياسيا موقوتا ولم يكن أمرا تشريعا ثابتا فهو مدفوع بما ثبت من الروايات الأخرى القاضية بخلاف هذا التأويل والأدلة الشرعية يجب أن يوخذ بها جميعا فلا يتأول أحدها بما لا يتفق مع دلالة غيره علي أن أمور العبادات من الأمور الثوابت، فلا تحمل علي النظرات السياسية المتبدلة لأنها قائمة علي تجريد عبودية الإنسان لخالقه سبحانه وتعالي ، والزكاة وإن كانت ذات بعد اجتماعي إلا أنها عبادة كالصلاة والصيام والحج لا تخضع للظروف السياسية، ولذلك مقاديرها ونصبها ثابتة بالنص الشرعي لم توكل إلي اجتهاد الحكام والنظر في تحولات الأحوال من الغلاء والرخص في الأسعار وتقلبات السياسة باختلاف الظروف والملابسات البيئية والاجتماعية.

    ولو كانت الزكاة واجبة في الخيل وجوبها في بهيمة الأنعام لما كان للنبي- صلي الله علية وسلم - أن يترك الناس في عمي من أمرهم وقد أكمل الله علي يديه دين الأمة وأتم عليها النعمة، فلو كان هذا العفو إجراء سياسيا موقوتا لكان محصورا في عدم جبايتها منهم مع حضهم بأن يتولوا بأنفسهم صرفها إلي مستحقيها لأنه من غير السائغ أن تعطل فيما بينهم مع أنها جزء من عبادة مقدسة وواجب ديني محتوم يعد ركنا من أركان الإسلام.

    والعفو كما يكو بإسقاط ما وجب يكون بعد الإلزام بعد رأسا، وقد يكون بمعني التيسير، وقد نصب معاجم اللغة علي أنه يأتي بمعني إعطاء المال أو غيره من غير مسألة ومنه قوله تعالي {خذ العفو}(38) وقول الشاعر: 

                            خذي العفو مني تستديمي مودتي

ولا تنطقي في سورتي حين أغضب

    وأنشد ابن بري:

                            فتملأ الهجم عفوا وهي وادعة

                                                                حتى تكاد شفاه الهجم تتهدم83;م

    وقال حسان:

                            خذ ما أـي منهم عفوا فإن منعوا

                                                                فلا يكون همك الشيء الذي منعوا

    والعافي عندهم ما أتي من غير مسألة ومنه قول الشاعر:

            يغنيك عافية وعيد النخر(39)

    فالمراد إذا بعفوه -صلي الله عليه وسلم- تيسيره لأمته بأمر الله تعالي بإسقاط الزكاة عن الخيل لحكمة يعلمها الله عز وجل وكانت هذه مبادرة منه - صلي الله عليه وسلم - بدون سؤال منهم.

    وأما قول الدار قطني بأن الصواب وقف هذا الحديث علي علي فهو لا يعول عليه مع ثبوت رواية الحفاظ مرفوعا وقد سبق أن الترمزي قال سالت محمدا - يعني البخاري- عن هذا الحديث فقال كلاهما عندي صحيح عن أبي إسحاق يحتمل أن يكون روي عنهما جميعا ،ولا ريب أن البخاري أسبق زمانا وعلما من الدار قطني.

    أما الاحتجاج لوجوبها بقوله تعالي { خذ من أموالهم صدقة} فهو احتجاج بمحمل وقد جاءت السنة ببيانه، وفيها ما هو خلاف ما ذهبوا إليه علي أنه لو أخذ بعمومه لكانت الصدقة واجبة في كل مال ، وعليه فتجب في الحمير وهم بأنفسهم نصوا بأنه لا صدقة فيها كما يقتضي ذلك وجوبها في الطيور الدواجن كالبط والإوز والدجاج والحمام، وهم لا يقولون بذلك.

    وكذلك استدلا تهم بحديث "لم ينس حق الله في رقابها ولا في ظهورها" فإن الحق هنا مجمل وهو يحتمل الكثير من الاحتمالات ، وبما أن الخيل مئنة للقوة ومعقل للعز فإن المتبادر أن يكون هذا الحق من جنس منفعتها، وذلك بأن يهيأ ها لنصرة الحق متى اقتضي ذلك الأمر ، فيغيث بها الملهوف وينصر بها المظلوم ويعين بها الضعيف، وذلك كله مما يدخل في ضمن الواجبات الدينية فلا يعترض عليه فإنها من جملة المال والجهاد بالمال كالجهاد بالنفس كلاهما يطالب به المسلم وهما سبب لنجاته من العذاب وفوزه بنعيم الثواب قال تعالي {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم علي تجارة تنجيكم من عذاب أليم (10)تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم}(40)

    وأنتم ترون كيف جعل الجهاد بالمال هنا قرين الجهاد بالنفس وجعلهما قرينين للإيمان بالله ورسوله ولا يتبادر فيها غير هذا الحق ، إذ لو كان حق الله في رقابها الزكاة لما كان النبي صلي الله عليه وسلم أن يسقطها أو يعفو عنها.

    وبما أن هذا الاستدلال بمجمل،فالمجمل لا يقوي علي معارضة المبين، وقد بينت الروايات المذكورة من قبل أنه لا زكاة فيها والدليل إذا طرقه الاحتمال سقط به الاستدلال ولو مع عدم المعارض.

    علي أن هذا الحديث رواه عن النبي - صلي الله عليه وسلم- أبو هريرة، ومذهب أبي هريرة كما تقدم أنه لا زكاة في الخيل، ولئن كان الحنفية يرون تخصيص عموم الحديث بمذهب رواية فأولي بهم أن يعولوا علي بيان مجمله برأيه في مدلوله لأنه أعلم بما روي.

    وأما الآثار المرورية عن الصحابة فقد قوبلت بآثار غيرها مروية عن صحابة أيضا ، وقول الصحابي- كما قلنا- لا يكون حجة يدفع بها قول صحابي آخر فضلا عن كونه حجة يدفع بها ما ثبت عن المعصوم عليه الصلاة والسلام ، قال ابن عبد البر:" وإذا كان الخلاف بين الصحابة في مسألة وكانت السنة في أحد القولين كانت الحجة فيه، علي أن عمر قد اختلف عنه فيه ولم يختلف عن علي وابن عمر في ذلك(41)

    وهو يشير بهذا إلي رفض عمر - رضي الله عنه- عرض أهل الشام أن يدفعوا إليه صدقة عن خيلهم، كما جاء في ذلك في الموطأ عن ابن شهاب عن سليمان بن يسار أن أهل الشام قالوا الأبي عبيدة بن الجراح: خذ من خيلنا ورقيقنا صدقة فأبي ثم كتب إلي عمر بن الخطاب فأبي عمر ثم كلموه أيضا فكتب إلي عمر فكتب إليه عمر" إن أحبوا فخذها منهم وارددها عليهم" قال مالك: معني قوله رحمه الله (وارددها عليهم) يقول علي فقرائهم، وروي نحوه أحمد في مسنده وفيه قال: "ما فعله صاحباي حتى أفعله واستشار أصحاب محمد- صلي الله عليه وسلم-وفيهم علي فقال علي هو حسن إن لم تكن جزية راتبه يؤخذون بها من بعدك" وهذا كله يدل علي أن هذه الصدقة كانت صدقة تطوع وقد قبلها منهم عمر رضي الله عنه بعد إلحاح وهو الذي نص عليه أكثر أهل العلم(42).

    هذا وقول السائب بن يزيد: رأيت أبي يقيم الخيل ثم يرفع صدقتها إلي عمر، قال فيه ابن عبد البر::"هذا يمكن أن يكون خاصا بالخيل للتجار"(43) وذلك أولي بأن يحمل عليه ما قاله لتفق مع سائر الأدلة، ولأن عروض التجارة هي التي يرجع إلي قيمتها في زكاتها.

    وأما قياس الخيل علي الإبل فهو قياس مع الفرق الكبير وسيأتي- إن شاء الله -.

    والقول بأن سكوت النبي - صلي الله عليه وسلم- عن إيجاب الزكاة فيها بلفظ صريح لا يدل علي عدم الوجوب جزما، فقد أوجب النبي الزكاة في نقود الفضة بالنص الصريح ولم يصح عنه في الذهب ذلك لأن معظم نقودهم كانت فضة، غير مسلم لوجوه:-

 أولها :  أن النبي صلي الله عليه وسلم لم يكتف بالسكوت عن إيجاب الزكاة فيها بل نص علي عدم وجوبها.

ثانيها: أن النبي صلي الله عليه وسلم لم يسكت عن الذهب ويترك التصريح بوجوب الزكاة فيه اكتفاء بما ذكره في الفضة فإن النص القرآني أولا قرن بين الذهب والفضة وذلك في قوله تعالي: " والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم(34)يوم يحمي عليها في نار جهنم فتكون بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون " (44) ثم إن النبي - صلي الله عليه وسلم- جمع بينهما في قوله " ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت بصفائح من نار " الحديث(45).

    والمتبادر أن الحق المراد هنا هو حق الزكاة المعهود، وقد حدد النبي- صلي الله عليه وسلم- النصاب الواجب في الزكاة في كل منهما فقد أخرج الإمام الربيع حبيب من طريق ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلي الله عليه وسلم قال"ليس في ما دون خمس أواق صدقة وليس فيما دون عشرين مثقالا صدقة"والعشرين مثقالا هي نصاب الذهب، ومثله ما أخرجه أبو داود عن علي كرم الله وجهه عن النبي صلي الله عليه وسلم قال:"إذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم وليس عليك شيء يعني في الذهب حتى يكون لك عشرون دينارا فإذ كانت لك عشرون دينارا وحال عليها الحول ففيها نصف دينار"(46)

ثالثها: أن الذهب لم يأت فيه شبهة دليل قط علي أنه لا زكاة فيه بل ما قال أحد بهذا القول من الأمة علمائها وجهالها فضلا عن وجود دليل يستند إليه دال علي ذلك بخلاف الخيل فإن أدلة عدم وجوب الزكاة فيها ظاهرة شاعرة ولذلك عول عليها جمهور الأمة فلا تسوغ المقارنة بينهما.

    وأما من ناحية النظر فإن الله أوجب الزكاة في المال إجمالا وجاءت السنة ببيان ذلك ففرضت الزكاة في كل مال لا يستغني عن منفعته الغني ولا الفقير لأنها إما أن تكون من ضرورات الحياة أو من حاجياتها فالحبوب المنصوص علي الزكاة فيها يعتمد الناس عليها في معايشهم سواء كانوا من جنس الأغنياء أو الفقراء ولا تختلف حاجة الفقير إليها عن حاجة الغني ومثلها الأنعام فإن التغذي بلحومها وألبانها مما يحتاج إليه الكل وكذلك الانتفاع بأدهانها وجلودها وأصوافها وأوبا رها وأشعارها وهكذا النقدان تتوقف مصالح الناس عليهما في معاملاتهم وقضاء حاجاتهم فالفقير يسيل لعابه من أجلها ولا يوجد مثل هذه الحاجة في الخيل والأحجار الكريمة وغيرها إذ هي من كماليات الحياة وتعد من جنس التحسينات وبإمكان عامة الناس ودهمائهم الاستغناء عنها فلذلك لم تعط أحكام الأموال الزكوية علي أن الفقير لا  يغص بالحقد والكراهية إن وجد عند الغني ما لا تدعو إليه حاجته ولم يسخ عليه بشيء منه بخلاف ما إن كان ضانا عليه بما تتوقف عليه حاجته  وضرورته وبهذا يتبين أن قياس الخيل علي الإبل أو قياس الحمر علي البقر إنما هو كقياس الضب علي النون والبرد علي الشهاب .

هذا وزكاة الخيل عند من يقول بها ليست من سنن الزكاة في شيء فهي أولا لا تخرج من نفس جنس المزكي بل من جنس آخر بخلاف بهيمة الأنعام والحبوب والنقد ين، ثانيا:أنهم لم يحددوا لها نصابا من نقسها والذين حددوا ذلك اختلفوا اختلافا كثيرا كما سيأتي - إن شاء الله - ثالثا: أن أكثرهم قال لا زكاة فيها إذا كانت كلها ذكورا ومنهم من قال أيضا بعدم الزكاة فيها إن كانت كلها إناثا وهي بهذا كله تخالف حكم زكاة الماشية وسائر الموال المزكاة فكيف تقاس بها؟ علي أن القياس وإن كان جليا مستوفيا لجميع شرائطه لا مكان له في مورد النص ، والنص هنا صريح في إسقاط زكاة الخيل فكيف يترك ويعتمد علي قياس لا يجمع فيه بين الأصل والفرع جامع؟

 المبحث الثالث:

    في نصاب الخيل وما يجب فيها عند من يري زكاتها

    اختلف القائلون بوجوب زكاة الخيل هل لها نصاب معين كسائر الماشية والأموال الزكوية أو لا؟

    فقيل لا نصاب لها وهو الشهير المصحح عندهم عن أبي حنيفة وقيل بل نصابها ثلاث وقيل خمس، نقل ذلك ابن عابدين في حاشيته عن القهستاني (47)

    قال الدكتور القرضاوي: ولعل التقدير بخمس هو الأقرب والأرجح قياسا علي الإبل ولأن المفهوم من الشارع أنه جعل ما دون الخمسة عددا قليلا فأعفي ما دون خمس إبل وخمس أواق وخمسة أوسق(48)

    ومثل هذا الخلاف خلاقهم في مقدار ما يخرج منها فروي عن أبي حنيفة أنها إن كانت من أفراس العرب خير بين أن يدفع عن كل واحدة دينارا وبين أن يقومها ويعطي عن كل مائتي درهم خمسة دراهم وإن كانت من أفراس غيرهم فتقوم لا غير(49) وخالفهم في ذلك الدكتور القرضاوي فرأي أن تقوم بخمس من الإبل أو بأربعين شاة من الغنم وذلك لأمرين :

      أ- أن قياس النقود ليس لها ثبات لتغير قوتها الرائية حسب الأحوال الاقتصادية وغيرها فقد تصبح العشرون مثقالا في وقت- كالآن- لا تساوي حيوانا واحدا ولا نصفه.

    ب- أن قياس نصاب حيوان علي نصاب حيوان مثله منصوص عليه من قياس علي نصاب من جنس آخر كالنقود(50)

 

المبحث الرابع:

    في حكم زكاة الحيوانات الأخرى غير الخيل

    لم أجد فيما سلف لعلماء الحنفية من أقوال ما يدل علي وجوب تزكية شيء من الحيوانات الأخرى كالبغال والحمير والوعول ودواجن الطير، بل نجد منهم من نص علي عدم وجوب زكاة الحمير مع قوله بوجوب زكاة الخيل كما أسلفنا عن الموصلي،وإنما وجدت الدكتور القرضاوي يجنح إلي إيجاب الزكاة في البغال والوعول وما شابهها وقوي ذلك بما عزاه إلي بعض كبار العلماء المجتهدين في العصر الحديث قال: "لقد عرض أشياخنا الأساتذة محمد أبو زهرة وعبد الوهاب خلاف وعبد الرحمن حسن لهذا الموضوع في بحثهم عن الزكاة فاستنبطوا من الخبر الذي ثبت عن عمر أنه يسوغ لنا القياس في أمر الزكاة فليست نصوصها غير معللة بل هي نصوص لها علة تقبل التعددية(51)

    وبعد الكلام في الموضوع قال  ومما يؤيد ما ذكره أساتذتنا الأجلاء أن رسول الله صلي الله عليه وسلم حين سئل عن الحمر لم ينف وجوب الزكاة فيها نفيا صريحا بل قال:" ما أنزل الله علي فيها إلا هذه الآية الجامعة الفاذة: "فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره(7) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره " (52) ثم بعد مناقشة خاص من كل هذا إلي قوله: " أقول أما إيجاب زكاة في كل الحيوانات السائمة التي تتخذ بقصد النماء والاستيلاء(53)والكسب من ورائها فهو اجتهاد صحيح مبناه علي القياس الذي نؤمن بإعماله في وعاء الزكاة ، حتى لا نفرق بين مال نام وآخر ، فيدخل في ذلك البغال والوعول وغيرها،وكذلك تقدير الواجب بربع العشر من قيمتها"(54)

    ولي علي هذا التحرير تعقيب من وجوه:

أولا : أن الحديث في الحمير لا يمكن أن يستند إليه بأن الزكاة غير منفية عنها لان قوله صلي الله عليه وسلم "وما أنزل الله علي فيها إلا هذه الآية الجامعة الفاذة" لا يعني إلا أنها مما سكت عنه الله تعالي وما سكت عنه فهو عفو كما جاء في الحديث، أما الآية الكريمة فهي حافزة إلي أن يجود المسلم بما تسخو به نفسه مما يملك من خير، وهذا مما يدعو إليه القرآن وتدعو إليه السنة المطهرة، وإن لم يكن ذلك من فريضة الزكاة فالله تعالي بعد ذكره الإيمان في آية البر ذكر الإنفاق حيث قال:{وأقام الصلاة وآتي الزكاة)(55) والعطف يقتضي التغاير بين المتعاطفين، فصاحب الحمير لا يعفي من فعل الخير بل يحث عليه كغيره فهو مطلوب بأن يتصدق من كسبها وإن لم تكن هذه الصدقة من الزكاة المعهودة كما هو الشأن في الأنعام.

ثانيا: قوله التي تتخذ لقصد النماء(والاستيلاء) والكسب لم أدر مراده بالكسب فيه فهل يعني أن البغال العوامل تجب الزكاة فيها فإن يكن هذا مراده فهو غريب، لأن الشارع أسقط الزكاة في الإبل والبقر العوامل مع أنها في الأصل مال زكوي فكيف توجب في عوامل البغال؟ وإن قصد بالكسب ما يباع من نسلها فهو أغرب لأن البغل لا نسل له لأنه هجين تولد من حمار وفرس فهو يولد ولا يلد.

ثالثا:- لم أدر ما هو النماء الذي يعنيه في البغال مع أن طبيعتها كما ذكرنا، وهذا عائد إلي ما قبله.

    أما نحن فلا نري ما يسوغ القياس المذكور،وذلك لما سبق شرحه ونقول بأنها لو كانت مما يدخل في وعاء الزكاة لبين ذلك الشارع الحكيم ولما ترك الناس في عمي من أمرهم، علي أن  ما قبل من زكاتها إلي قيمتها مخالف لسنة الزكاة المتبعة في الأموال الزكوية كلها فإن قيل روي عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه أوجب زكاة الخيل حيث قال" في كل فرس سائمة دينار أو عشرة دراهم"

    قلنا هذا الحديث لا يصح باتفاق ذوي الخبرة بشأن الحديث، فقد أخرجه الدار قطني والبيهقي في سننهما عن الليث ابن حماد الإصطخري حديثا أبو يوسف عن غورك بن الخضرم أبي عبد الله عن جعفر بن محمد عن أبيه عن فذكره،قال الدار قطني: تفرد به غورك وهو ضعيف جدا ومن دونه ضعفاء ،وقال البيهقي: لو كان هذا الحديث صحيحا عند أبي يوسف لم يخالفه(56) ومثل هده  الرواية لا تنهض بها حجة.

        الفصل السادس

في زكاة الشركات المتاجرة بالثروة الحيوانية

والشركات المتاجرة بالمنتوجات الحيوانية

    التجارة من تعم الله علي عبادة يتيسر بها درك مصالحهم وتبادل منافعهم ، فلولاها لتجمدت الأموال بأيدي أصحابها ، وتعطلت مصالحهم بعدم انتقال منافعها من يد إلي أخري ، فقد يكون الشيء فائضا عن حاجة صاحبه ، ومن الناس من هوفي أشد الافتقار إليه ، فلولا هذا التعامل التجاري والتبادل بين السلعة والقيمة، لأدي ذلك إلي أ، يبقي كل أحد قابضا علي ما بيده لا يستطيع الوصول إلي ما بيد الآخر، إلا إن سخت به نفسه فجادت به عليه ، وما كل نفس تميل إلي الجود،ولا كل نفس تحميل أ، تقلد المنن من غيرها فكانت التجارة حلا طبيعيا لهذه المشكلة فصاحب البضاعة يدفع ما بيده في مقابل ما يقبضه من الثمن ونفسه سخية راضية لأنه يتطلع إلي ما وراء ذلك من قضاء مصالحه الأخري، وصاحب القيمة يبذل القيمة لقضاء لبانته مما بيد غيره

    ولما في هذه التجارة من العائد المادي علي التاجر- إذ هي سبل الإثراء- رأي السلف وجوب الزكاة فيها علي التاجر كما تجب زكاة النقد ين،إذ هي نفسها الطريق الوحيد للنماء المطلوب من النقد ين، وحكي ابن المنذر الإجماع علي ذلك، بل ذكر الإمام السالمي أنه نقل الإجماع علي ثبوتها غير واحد من العلماء(57).وعولت علي هذا مذاهب الأمة جميعا إلا الظاهرية فإنهم رأوا عدم وجوبها (58) وكذلك أكثر الأمامية إلا أنهم قالوا باستحبابها، وإنما قال بوجوبها بعضهم (59) وأشار الرافعي إلي أنه عن الشافعي في قديمه، حيث قال: وحكي عنه في القديم ترديد قول : فمنهم من قال له في القديم قولان، ومنهم من لم يثبت خلاف الجديد شيئا ثم قال: وذكر في النهاية أ، نفي وجوبها يعزي إلي مالك ولا يكاد يثبت ذلك عنه(60)

    وبناء علي رأي هؤلاء فإن الماشية لا تنقل حكم زكاتها بالاتجار فيها، فإن كانت من جنس ما تجب فيه الزكاة واستوفت شرائط وجوبها فزكاتها هي زكاة عينها الواجبة من قبل ، أما علي رأي سائر مذاهب الأمة- وهم القائلون بزكاة التجارة- فإن هذه الماشية إ، كانت من غير جنس ما يزكى من قبل فتزكي عندهم  زكاة عروض التجارة بلا خلاف. وعروض التجارة تقوم عندهم بالنقد ين ونصابها نصابها ويجب فيها ما يجب فيهما.

        أما إن كانت من جنس ما يزكي وهو الأزواج الثمانية وكانت قد بلغت النصاب بكلأ الاعتبارين اعتبار أصلها واعتبار ما آلت إليه بالاتجار فيها فهم في ذلك مختلفون فمنهم من قال تزكي كما كانت تزكي في الأصل قبل الاتجار فيها- أي زكاة الماشية-ويجب فيها ما كان يجب من قبل وهو الذي نص عليه مالك في المدونة(61)، ويدل عليه كلام ابن رشد الجد(62) ، وهو قول الشافعي في الجديد(63)،وبه القاضي من الحنابلة(64) وقيل بل تزكي زكاة عروض التجارة وهو قول الحنفية(65) والحنابلة(66) وذكر الرافعي عن القفال أنه ذكر في شرح التلخيص قولين للشافعي في القديم أحدهما كالجديد والثاني تغليب زكاة التجارة قال: ورأيت لابن الصباغ من العراقيين رواية مثل ذلك(67) وقيل بل تراعي في هذا الأصلح للفقراء فإن كانت مصلحتهم في زكاة التجارة زكيت كذلك وإن كانت في زكاة الماشية فكذلك تزكى وهو قول بعض الحنابلة واختاره المجد منهم (68) وهو اختيار الإمام المهدي من الزبدية(69) وفي المذهب عندنا من الخلاف نحو ما تقدم(70).

    أما إن كانت دون النصاب بأحد الاعتبارين وهي في حكم النصاب بالاعتبار الآخر فتزكى زكاة ما بلغت نصابه عند الجميع مثال ذلك أن تكون التجارة بأربعين شاة ولكن قيمتها دون نصاب التجارة بحيث لا تباع عشرين دينارا ولا مائتي درهم، فإن زكاتها زكاة السائمة حتى عند القائلين بأنها تزكى زكاة التجارة لئلا يسقط حق الزكاة فيها وكذلك لو كانت ثلاثين شاة فحسب أو دون ذلك أكثر ولكنها دون نصاب السائمة قيمتها تصل مائتي درهم أو عشرين دينارا فإنها تزكى عند الجميع زكاة التجارة لئلا تضيع الزكاة فيها وإن كانت لم تصل قدر النصاب بكلأ الاعتبارين، فالزكاة فيها غير واجبة عند الجميع.

    احتج القائلون بتزكيتها زكاة السائمة بحجتين:-

    أ- أن ذلك هو الأصل فيها فلا ينتقل عنه إلي غيره لعارض.

    ب- أن زكاة السائمة أقوي للإجماع عليها بينما زكاة التجارة لم تخل من خلاف واحتج القائلون بغير ذلك بأن الزكاة إنما شرعت لرفع ضائقة العيش وحنة الفاقة عن الفقراء والمساكين،فينبغي أن يراعي الأوفر لهم فيها ومن المعلوم أن زكاة التجارة أجدي لهم للتفاوت الكبير بين فروض زكاة الأنعام فالغنم مثلا فرض الأربعين فيها شاة واحدة وكذا ما زاد عليها إلي ضعفيها وهو مائة وعشرون وإنما تجب زيادة شاة أخري عليها عندما تبلغ مائة وإحدى وعشرين وكذلك فيما زاد علي ذلك تحي بلغ مائتين فإن زادت واحدة زيد في زكاتها شاة ثالثة، والإبل زكاة الخمس إلي التسع منها شاة واحدة، فإن زادت واحدة زيد في زكاتها شاة أخري وهكذا ما بين العشر والأربع عشرة لا تجب فيه إلا شاتان، بينما التجارة تقدر بقيمتها ويخرج منها دائما ربع العشر وهذا يعني أن حظ المساكين فيها أوفر وهذا عينه الذي راعاه من قال إنه يراعي فيها ما كان أوفر لمصلحة الزكاة وأجدي للمساكين المنتفعين بها وهو رأي وجيه، غير أن فروض الزكاة كما روعي فيها حق الفقراء، روعي أيضا العدل بين الغني والفقير فلم يوفر لأحدهما علي حساب الآخر ولذلك اشتراط فيها النصاب وجعلت الأوقاص والأشناق فيها تبعا لما قبلها رفعا للكلفة وتيسيرا علي أصحاب الأموال : لذلك أري أن التزام نهج واحد في زكاة التجارة أولي: لأنه أوفق مع مقاصد الشريعة ومن حيث إنه لم يرد بهذا نص ولا يمكن أن يحمل علي قياس أري ترجيح أحد الرأيين علي غيره أمرا عسيرا ولكن بما أن تحولت إلي تجارة فإني أجنح إلي أن تكون زكاتها كسائر عروض التجارة لئلا يفرق فيها بين عرض وآخر.

    هذا وإن كانت الشركات التجارية لم تكن تجارتها في جنس ما يزكي من الماشية وإنما كانت في أصناف أخري كالوعول والظباء والحمر الأهلية وحمر الوحش والخيل والبغال ودواجن الطير كالحمام والبط والإوز والدجاج فلا خلاف أ، زكاتها زكاة عروض التجارة ،لأنها لم تكن داخلة في وعاء الزكاة أصلا وليس فيها نصاب إلا نصاب العروض وهذا عينه حكم التجارة في أصناف المنتوجات الحيوانية سواد كانت من الأنعام أو غيرها كالألباب والأجبان والسمن والأقط والجلود والقرون والأصواف والآبار والأشعار والعظام، وكل ما يستخلص منها من الأغذية كالجيلاتين أو الأدوية  السائلة أو الجامدة، وما استعمل للرياش والزينة، أو للباس كالأحذية والنعال والأحزمة فحكم ذلك كله حكم عروض التجارة علي رأي جميع الذين يوجبون الزكاة في التجارة.

    وهذا وإن اشتري سائمة للتجارة ففيها زكاة التجارة ، لأن امتلاكها من أول الأمر مبني علي هذه النية فإذا حال عليها الحول ففيها ما في عروض التجارة من الزكاة وتتحول من التجارة إلي السوم بمجرد النية: لأن التجارة عارضة والسوم هو الأصل فيها وتبدأ حولها من جديد منذ نوى سومها.

    أما إن كانت سائمة فلا تتحول إلي التجارة بالنية وحدها بل حتى يبيعها ويستبدل بها غيرها وإن ظلت أعيانها باقية فزكاتها زكاة السائمة إلا عند ابن عقيل، وأبي بكر من الحنابلة فإنهما يريان أنها تنتقل إلي التجارة بنفس النية وحكوه رواية عن أحمد(71) وهذا كله إنما هو علي مذهب جمهور الأمة القائلين بوجوب زكاة التجارة دون غيرهم ولا تجميع زكاتان في عين في عام واحد باعتبارين اعتبار السوم من ناحية واعتبار التجارة من ناحية أخري إذ"لا ثنيا في صدقة"(72) كما روي في الحديث والله أعلم و به التوفيق

 

خاتمة

في خلاصة أهم ما اشتمل عليه البحث

 

 

 

    خاتمة في خلاصة أهم ما اشتمل عليه البحث

    بعد هذه الرحلة الممتعة الشاقة ، إلي عالم البحث والتدوين وتسريح الطرف في رياض المعرفة بين أفانين التحقيق، وثمار التدقيق، وأزهاره، أعود بالقارئ الكريم إلي خلاصة أهم ما احتوته هذه العجالة:

  1. الأنعام - علي الراجح- هي الأزواج الثمانية المذكورة في القرآن وهي تعود إلي أربعة أصناف من الماشية وهي الإبل والبقر والضأن والمعز ولا يدخل فيها الوحشي كالظباء والوعول وقيل بل هي خاصة بالإبل وقيل تشمل كل ما أحل الله أكله من جنس الحيوانات

  2. لا تجب زكاة الأنعام إلا بعد استيفائها شروطا منها ما هو مجمع عليه ومنها ما هو مختلف فيه ذكرها الباحث إجمالا ما عدا خمسة فقد عني بشرحها لقوة صلتها بموضوع البحث وهي:

        أ- بلوغ النصاب.

       ب-استكمال الحول

       ج- السوم

       د- أن لا تكون عاملة .

       ه- الاستغناء عن الآمات

  1. - تجب الزكاة في الإبل إذا بلغت خمسا، وفيها في كل خمس شاة حتى تبلغ خمسا وعشرين ففيها بنت مخاض أنثي، وهي التي أتمت عاما ودخلت في غيره، فإن لم توجد فابن لبون ذكر وهو ابن عامين دخل في الثالث، فإن بلغت ستا وثلاثين ففيها جذعه وهي بنت أربع سنوات وقد دخلت في الخامسة، فإن بلغت ستا وسبعين ففيها بنتا لبون فإن بلغت إحدى وتسعين ففيها حقتان،فإن زادت حتى تجاوزت مائة وعشرين ففيها خلاف، اختار الباحث رأي الجمهور أن في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقه فإن بلغت مائتين خير صاحبها بين أن يخرج خمس بنات لبون أو أربع حقاق إلا علي رأي الشافعية القائلين بوجوب النظر في الأغبط للفقراء وهو الذي يخرج عندهم.

4- تجب زكاة البقر إجماعا وفي تحديد نصابها خلاف قيل هو ثلاثون وفيها تبيع وهو ابن عام إلي أربعين وفيها مسنة، بنت عامين ثم هكذا في كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسنة وهذا رأي جمهور الأمة وفيها تسعة أقوال أخري أوردها الباحث واختار من بينها جميعا أن حكمها حكم الإبل في نصابها وفروضها وجميع أحوالها ولا تختلف عنها إلا بأسمائها، ورجح الباحث هذا القول بقياسها علي الإبل وبالجمع بين الروايات الواردة فيها

5- تجب زكاة الغنم إذا بلغت أربعين شاة وفيها شاة واحد إلي مائة وعشرين ،فإن جاوزتها ففيها شاتان إلي مائتين، فإذا جاوزتها ففيها ثلاث وشياه، واختلف فيما زاد علي ذلك واختار الباحث قول الجمهور أن فرضها ثلاث وشياه  حتى تصل إلي أربعمائة ففيها أربع وشياه ثم في كل مائة شاة.

6- تعرض الباحث لما إذا لم يوجد في المال الفرض الواجد في الإبل وبين أنه يعدل إلي السن الأعلى أو الأدنى مع عطاء الجبران أو أخذه وهل هو توقيفي فلا يخرج عن كونه شاتين أو عشرين درهما أو انه بحسب الأسعار غلاء ورخصا، بناء علي أنه لم يكن ما ورد في ذلك حكما ثابتا وإنما كان تنبيها علي أمر تراعي فيه الظروف والأحوال وهو الذي مال إليه الباحث

7- اختلف مع عدم وجود الفرض الواجب في زكاة الإبل وعدم الذي يلته في السن الأعلى أو الأدنى في جواز تجاوز الفرض بدرجتين مع أخذ جبرا نين أو عطائهما ورجح الباحث الجواز.

8- اختلف في إخراج البعير الكافي في زكاة الإبل عن الشاة أو الشياه الواجبة في زكاتها واختار الباحث الجواز

9- اختلف في الوقص والشنق هل هما داخلان في زكاة ما قبلهما أو أنهما معفو عنهما ورجح الباحث الأول.

10- اختلف في الشاة التي تجزي في زكاة الغنم والإبل البقر- بناء علي أن حكمها حكم الإبل- وفي الجبران فقيل لابد أن تكون ثنية سواء كانت من الضأن أو المعز وقيل تجزي الجزعة منهما وقيل تجزي جذعه الضأن وثنية المعز وهو الذي اختاره الباحث.

11- يجب علي الساعي تجنب الأخذ من نفائس الأموال وخسائسه فليس له أن يأخذ المعيبة كالهزيلة والمريضة ولا الغالية كالحامل واللابن وفحل الغنم ويجوز له أن يأخذ الأعلى مما يجب إن طابت به نفس صاحب المال.

12- ان كانت كلها هزالا او مراضا ففي إخراج بعضها خلاف رجح الباحث جوازه

13- اختلف في جواز إخراج الواجب من الغنم من غير غنم البلد ورجح الباحث الجواز

14- الواجب في زكاة الإبل الأثاث وإنما ورد النص بجواز إخراج ابن لبون عن بنت مخاض مع عدمها واختلف في جواز إخراج الحق عن بنت لبون والجذع عن الحقة في حالة عدمهما قياسا علي ما ورد به النص واختار الباحث جوازه.

15- زكاة البقر عند من يجعلها كالإبل لها حكمها في ذلك وعند الجمهور يجزي التبيع الذكر في الثلاثين.

16- اختلف في جواز إخراج الذكر في الغنم ورجح الباحث أن الذكر والأنثى فيها سواء

17- سوغ الحنابلة إخراج الذكور من الإبل إن كانت كلها ذكورا واختار الباحث أن يكون الذكر في ذلك أعلي سنا من الأنثى الواجبة قياسا علي إخراج ابن لبون عن بنت مخاض.

18- اختلف في جواز إخراج القيمة في زكاة الماشية واختار الباحث أن يكون جوازه مقيدا بأحدي حالتين إما رفع كلفة ومشقة عن صاحب المال أو كونه روعي فيه مصلحة الفقير المنتفع بالزكاة

19- اختلف في خلط الماشية هل لها أثر في أحكام زكاتها؟ فقيل لا تأثير لها سواء كانت خلطة مشاع أو خلطة جوار، وقيل بل التأثير لخلطة المشاع وحدها، وقيل تؤثران جميعا وبناء علي هذا فهل يشترط أن يكون نصيب كل واحد من الخليطين أو الخلطاء استوفي نصابا أو لا يشترط ذلك؟ في ذلك خلاف اختار الباحث أن للخطلة تأثيرا بكلأ نوعيها ولو لم يكن لكل خليط نصاب

20- اختلف فيما تتحقق به خلطة الجوار من الأسباب واختار الباحث أن ذلك عائد إلي عرف ذوي الاختصاص لعدم ورود النص عليه من الشارع

21- اختلف في زكاة الخيل فالجمهور علي أنها لا زكاة فيها ولا في غيرها من الحيوانات ما عدا بهيمة الأنعام وهو الذي اختاره الباحث، وقيل تجب فيها الزكاة إما بتقويمها ودفع ربع العشر من قيمتها وإما بإخراج دينار عن كل فرس وهو قول الإمام أبي حنيفة وقال به طائفة من أصحابه.

22- الماشية المتاجر بها إما أن تكون من جنس ما تجب فيه الزكاة أولا ، فإن كانت من جنسه-وذلك أن تكون من الأنعام- وكانت بلغت حد النصاب بكلأ الاعتبارين فقيل زكاتها زكاة عروض التجارة، وقيل زكاة السائمة وقيل تراعي مصلحة الفقراء فيها ومال الباحث إلي الأخذ بقول من يري فيها زكاة التجارة، وإن كانت بلغت النصاب بأحد الاعتبارين دون الآخر فإنها تزكي زكاة النصاب الذي بلغته بلا خلاف عند من يري وجوب الزكاة في التجارة ،وإن كانت من جنس آخر فإنها تزكي زكاة عروض التجارة ومثل ذلك حكم الاتجار بالمنتوجات الحيوانية كالجلود والأصواف والأوبار والأشعار والعظام والقرون والألبان والأدهان  والأجبان، وكل ما يستخلص من ذلك فيستعمل في الأغذية أو في الأدوية أو اللباس أو الزينة.

    وهذا ما يسر الله تعالي تدوينه في هذا البحث المتواضع وكل رجائي من قارئه أن يعفو عن زلله، وأن يسد ما أمكنه من خلله، وأن يتحفني خالص دعواته بأن يتقبله الله مني وأن يجعله وسائر أعمالي خالصا لوجهه الكريم، والله أسأل أن يمن علي بالتوفيق لما يحبه ويرضاه من صادق القول وصالح العمل وصلي الله وسلم علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه أجمعين.

 


عودة إلى الفهرس


ISO 9001:2000

  حقوق النشر والنسخ والاقتباس عائدة لبيت الزكاة دولة الكويت 2006
                              zakat@zakathouse.org.kw